المقريزي
555
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ممّا كان له قبل الرّوك ، وقالوا لمنكوتمر : إمّا أن تعطونا ما يقوم بكلفنا ، وإلّا فخذوا أخبازكم ونحن نخدم الأمراء أو نصير بطّالين . فغضب منكوتمر وأخرق بهم ، وتقدّم إلى الحجّاب فضربوهم وأخذوا سيوفهم ، وأودعوهم السّجون . وأخذ يخاطب الأمراء بفحش ، ويقول : أيّما قوّاد شكا من خبزه ، ويقول نقول للسّلطان ، فعلت به وفعلت ، إيش يقول للسّلطان ؟ إن رضي يخدم وإلّا إلى لعنة اللّه . فشقّ ذلك على الأمراء ، وأسرّوا له الشّرّ . ثم إنّه لم يزل بالسّلطان حتى قبض على الأمير بدر الدّين بيسري ، وحسّن له إخراج أكابر الأمراء من مصر ، فجرّدهم إلى سيس ، وأصبح وقد خلا له الجوّ ، فلم يرض بذلك حتى تحدّث مع خوشداشيته بأنّه لا بد أن ينشئ له دولة جديدة ، ويخرج طغجي وكرجي من مصر . ثم إنّه جهّز حمدان بن صلغاي إلى حلب في صورة أنّه يستعجل العساكر من سيس ، وقرّر معه القبض على عدّة من الأمراء ، وأمّر عدّة / أمراء جعلهم له عدّة وذخرا ، وتقدّم إلى الصّاحب فخر الدّين الخليلي بأن يعمل أوراقا تتضّمن أسماء أرباب الرّواتب ليقطع أكثرها . فلم تدخل سنة ثمان وتسعين ، حتى استوحشت خواطر الناس بمصر والشّام من منكوتمر ، وزاد حتى أراد السّلطان أن يبعث بالأمير طغي إلى نيابة طرابلس ، فتنصّل طغي من ذلك فلم يعفه السّلطان منه وألحّ منكوتمر في إخراجه ، وأغلظ للأمير كرجي في القول وحطّ على سلار وبيبرس الجاشنكير أنظارهم وغضّ منهم . وكان كرجي شرس الأخلاق ، ضيّق العطن ، سريع الغضب ، فهمّ غير مرّة بالفتك بمنكوتمر ، وطغجي يسكّن غضبه . فبلغ السّلطان فساد قلوب الأمراء والعسكر فبعث قاضي القضاة حسام الدّين الحسن بن أحمد ابن الحسن الرّومي الحنفي إلى منكوتمر يحدّثه في ذلك ويرجعه عمّا هو فيه ، فلم يلتفت إلى قوله وقال : « أنا ما لي حاجة بالنيابة ، أريد أخرج مع الفقراء » . فلمّا بلغ السّلطان عنه ذلك استدعاه ، وطيّب خاطره ، ووعده بسفر طغجي بعد أيّام ، ثم القبض على كرجي بعده ، فنقل هذا للأمراء فتحالفوا وقتلوا السّلطان ، كما قد ذكر في خبره « 1 » ، وأوّل من بلّغه خبر مقتل السّلطان الأمير منكوتمر ، فقام إلى شبّاك النيابة بالقلعة فرأى باب القلّة وقد انفتح ، وخرج الأمراء ، والشّموع تقد ، والضّجّة قد ارتفعت ، فقال : واللّه قد فعلوها . وأمر فغلّقت أبواب دار النيابة ، وألبس مماليكه آلة الحرب . فبعث الأمراء إليه بالأمير الحسام أستادّار ، فعرّفه بمقتل السّلطان ، وتلطف به حتى نزل وهو مشدود الوسط بمنديل ، وسار به إلى باب القلّة والأمير طغجي قد جلس في مرتبة
--> ( 1 ) فيما تقدم 3 : 774 .